محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
25
الظرف والظرفاء
( 170 / 786 ) حتى عهد المستكفي ( 331 / 944 ) كانت فترة ازدهار الظرف . وعرفت هذه المدة الطويلة عهود المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل الذين يعود إليهم ازدهار الظرف والذي نجد صداه في أدبيات تلك الفترة ، واطلاعنا على كتابي الأغاني والديارات يعطينا صورة واضحة عن انتشار الظرف في هذه الفترة . ومع هذا الازدهار زاد عدد الندماء بشكل واضح ، وكان على هؤلاء أن يكونوا من الظرفاء أولا ، وأن يلموا بثقافة لائقة ، وأن يتحلوا بصفات تجعلهم مقبولين لدى من ينادمونه . ويمكننا أن نقدر أهمية هذه المرحلة من حياة الظرف إذا ما عرفنا أن مجموعة كبرى من بني العباس قد انخرطوا في هذه الموجة « 55 » وبينهم عليّة بنت المهدي وأبو العبر وإبراهيم بن المهدي وعبد اللّه بن المعتز الذي كان نجما لامعا من نجوم الظرف والثقافة والسياسة . وكان من الطبيعي ان يمتد الظرف إلى قطاعات اجتماعية أخرى ، ومن هؤلاء طبقة التجار والأثرياء الجدد « 56 » ورجال الاقطاع الارستوقراطي والعسكري ، الذين أدى بهم ثراؤهم إلى الدخول في عداد الفئة العليا . واتساع مجال الظرف أفقيا أدى إلى انتشار التأليف فيه ، نظرا لدخول عناصر من حديثي النعمة ، فتعدّ لنا المصادر حوالي مائة ظريف ، كانوا على مستوى من الثقافة . وكانت اخبار هؤلاء الظرفاء تروى في حلقات السمر ، ومع هذه الأخبار ، كان السمّار يروون روايات تتصل بالأساطير والخرافات . لكن هذه الموجة سوف تصطدم بحواجز اجتماعية ، بعد أن تغيرت الأوضاع وتبدلت المواقف . لقد تعرضت بغداد لحربين اهليتين : الأولى في نهاية القرن الثاني للهجرة ، بعد النزاع على خلافة هارون الرشيد بين ولديه الأمين والمأمون . والثانية في منتصف القرن الثالث ثم قيام حرب الزنج في منطقة البصرة . وكانت نتيجة هذه الحروب دمار بغداد ونهبها وتنامي قوة العامة السياسية . وبالمقابل أدى الاعتماد على القوة العسكرية من المرتزقة إلى وقوع السلطة بين أيدي قادة الجيش الذي يتجلى في استيلائهم على
--> ( 55 ) - الصولي ، أشعار أولاد الخلفاء . ( 56 ) - انظر مقامات بديع الزمان الهمذاني ، المقامة المضيرية .